ستيفن كوفي كمستثمر أجنبي | Stephen Kofi as a foreign Investor

ستيفن كوفي كمستثمر أجنبي | Stephen Kofi as a foreign Investor

تاريخ النشر: 23 مايو، 2021

تهيأ لي قبل أيام لقاء المدرب الشهير ستيفن كوفي في ورشة عمل نظمت في إمارة دبي وحضرها جمع غفير من المتخصصين والمرخصين لتقديم برامج شركة كوفي الأمريكية. ولمن لا يعرف الدكتور كوفي فهو صاحب كتاب ” العادات السبع للناس الأكثر فعالية” الذي يعد أكثر كتب الإدارة مبيعاً في التاريخ. بيع منه ما يزيد عن 13 مليون نسخة في 70 دولة، وترجم إلى 28 لغة عالمية، وقد صنفته مجلة فوربيز الأمريكية الشهيرة كواحد من أشهر عشرة كتب أثرت تأثيراً بالغاً في الإدارة عبر التاريخ. وللشركة التي يرأس مجلس إدارتها كوفي 4500 مركز تدريب متعاون في العالم يقدم برامج العادات السبع، وإدارة الأولويات، ومهارات القيادة، وغيرها من البرامج والدورات التدريبية التي يصممها الدكتور ستيفن كوفي.

وبعد انتهاء ورشة العمل التقيت ستيفن كوفي لدقائق معدودة وبصحبتي أحد رجال الأعمال السعوديين البارزين، وبعفوية عربية منطلقة من كرم الضيافة والشعور العميق بحب الخير للوطن بادر صديقي بدعوة كوفي لزيارة المملكة والترحيب الحار باستضافته، فما كان من كوفي إلا أن أجاب بتلقائيته المعهودة “هل ستسمحون لتريسي مديرة أعمالي بالدخول إلى بلدكم؟” ثم أضاف الرجل السبعيني بلغة متجهدة قائلاً ” لقد زرت بلدكم قبل خمس سنوات بدعوة خاصة تم فيها الموافقة على استضافتي بعد إجراءات مطولة لكن لم يسمح لزوجتي بمصاحبتي .. إنني أحب الرياض وأهلها وأتشوق أن أراهم من جديد”. فانبريت تلطيفاً لحدة حزنه ومرارة تعبيراته قائلاً “الإجراءات تحسنت الآن، وستجد ترحيباً يفوق ما وجدته هنا، وستلتقي جمهوراً شغوفاً بأطروحاتك الإبداعية وأفكارك الإدارية الرائدة”  وانتهى الحديث بابتسامات متبادلة تخفي وراءها شكاً لديه، وأملاً كبيراً لدينا.

تتبادر إلى ذهني تجربة ستيفن كوفي الذي يملك شركة كبرى مصنفة ضمن بورصة نيويورك العالمية كلما اطلعت على دراسة تتحدث عن عوائق جذب الاستثمار الأجنبي إلى بلدنا. فاستقطاب الاستثمار الأجنبي لم يحقق بعد طموح هذا الوطن ولم يواكب توجهاته تحو الانفتاح الاقتصادي العالمي، ولا تزال الأنظمة والإجراءات المطروحة توحي بأن الاستثمار الأجنبي لا يزال ذلك التنين المخيف، في حين أن غيرنا أدرك منذ زمن بعيد أنه الفيل الوديع الذي يمكن تسخيره لخدمة مصالح الوطن. فباستضافته سينتعش الاقتصاد المحلي، وعن طريقه يمكن نقل التكنولوجيا، وبمشاريعه وبرامجه ستزداد فرص العمل، وبخبراته ستزداد وتتحسن الإنتاجية، وبتجاربه ستنمو المهارات و تتعزز الصادرات، وغير ذلك من الايجابيات والمكتسبات التي جعلت الدول المتقدمة ذاتها تتسابق في جذب الاستثمار الأجنبي.

وإذا عدنا إلى الإحصائيات المنشورة نجد أن السعودية لا تزال في موقع متواضع في قائمة الدول العربية القادرة على جذب الاستثمار الأجنبي. فحسب التقارير الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة عن المنطقة العربية فإننا نقع في المرتبة السابعة بين الدول العربية. تسبقنا الجزائر بثلاثة أضعاف، وتونس بأكثر من الضعفين، ثم السودان، فمصر، فالمغرب، ثم ليبيا، ثم تأتي بعد كل هؤلاء السعودية.

إننا نجزم أننا في هذه البلاد نمتلك كثيراً من المميزات النسبية التي ينشدها المستثمر الأجنبي إلى الحد الذي لا يقارن بأي من الدول السابقة الذكر. فنحن نملك الأرض الخصبة للاستثمار، والمواد الخام القابلة للتحويل الصناعي المثمر، والبنى الأساسية التحتية المتطورة كالاتصالات، ونقل المعلومات، والطرق والنقل والمواصلات. هذا بالإضافة إلى المنافذ الجوية والبرية والبحرية الإستراتيجية الممتدة عبر أركان البلاد. وفوق ذلك كله ننعم باستقرار سياسي ثابت وراسخ ومستمر.

إننا إذن في حاجة اليوم إلى تسويق هذه المقدرات والإمكانات إلى العالم ضمن خطة إستراتيجية واضحة للتعامل الجاد مع المستثمر الأجنبي كعميل يتوقع إغراءه وتدليله لا تكبيله وتنفيره. ونتطلع من الهيئة بإدارتها الجديدة أن تدرس بتمعن تجربة الهيئة العليا للسياحة التي وضعت بتميز واقتدار خطة إستراتيجية وطنية أصبحت مثالاً للآخرين. وجعلتنا كلما قرأنا وسمعنا أمينها يتحدث عن معالمها نزداد ثقة أن الإدارة العلمية ونظرياتها يمكن أن تكون واقعاً ملموساً في ممارسات المؤسسات العامة. كما ازددنا تفاؤلاً أن تلك الخطوات التكاملية والشراكة الحقيقية التي بنتها الهيئة مع كافة القطاعات الحكومية والخاصة المعنية ستثمر خططاً وبرامج ومشاريع جبارة سيفخر بها الوطن.

إننا نتطلع أن تحذو الهيئة العليا للاستثمار حذو هيئة السياحة في رسم الاستراتيجيات وتطبيقها وإحداث الشراكة ومتطلباتها، وانتزاع القيادة وتعزيزها، وللحديث بقية.

 

هذا المقال هو رأي شخصي للكاتب. فما ذكر فيه قد يناسب الزمان والمكان الذي قد كتب حينه،  وقد لا يتناسب مع الحاضر اليوم أو المستقبل، أو ربما عبر عن نفس الحال  والمقال، كما الحال في دورة الزمان وتتجدد الأحداث الأحزان. ويعيد التاريخ نفسه.

أ. د. أحمد الشميمري، أستاذ التسويق وريادة الأعمال- جامعة الملك سعود،الرياض [email protected]