التحديات والفرص أمام الواحات العلمية | Threats and Opportunities in front of Science Parks

التحديات والفرص أمام الواحات العلمية | Threats and Opportunities in front of Science Parks

تاريخ النشر: 7 أكتوبر، 2021

مثلما كانت الطرق والجسور والسكك الحديدية ذات أهمية حاسمة في الاقتصاد الصناعي بالأمس، فتعتبر الواحات البحثية اليوم عنصرًا مهمًّا في البنية التحتية للابتكار اللازمة لدعم اقتصاد المعرفة. وقد تطورت الواحات البحثية ونضجت، لتصبح أكثر ارتباطًا بشكلٍ أساسي بشركائها في التعليم العالي، والمستثمرين الذين يعتمدون على التكنولوجيا. لكن لا تزال الواحات العلمية تواجه العديد من التحديات لمستقبل استمرارها، وتستشرف فرصًا جديدة في عالم الاقتصاد المعرفي. ومن هذا المنطلق فإن بدء واحة علمية جديدة يتطلب تحليلًا إستراتيجيًّا لبيان الرؤية الكاملة للتوجهات المحيطة بالواحات العلمية. وسوف نستعرضها تباعًا.

أولًا: التحديات

من بين التحديات الرئيسة التي تواجه تطوير الواحة العلمية ما يلي:

التحديات

1.    التغلب على تحديات النزول للسوق

2.    ردم الفجوة الثقافية بين الأوساط الأكاديمية والتجارية

3.    تحقيق التكامل مع الجامعة

4.    الحصول على تمويل للعمليات والمباني

5.    الاستجابة لزيادة المنافسة بسبب العولمة والطبيعة المتغيرة للبحث والتطوير في الشركات

 

  1. التغلب على تحديات النزول للسوق. في حين أن الواحات البحثية الجامعية يمكن أن تسهم في  تسويق تكنولوجيات جديدة من خلال تعزيز العلاقات بين الباحثين والشركات، فإن نقل الابتكار إلى السوق لا يحدث بسهولة، وذلك لعدة أسباب. أولًا، غالبًا ما تتطلب التكنولوجيات التي طورتها الجامعة عملًا إضافيًا لتحديد إمكانيتها التجارية، إذ إن التمويل المتاح لمرحلة إثبات هذه الفكرة يعتبر قليلًا جدًّا. ثانيًا، حتى إذا ما أمكن إظهار الإمكانيات التجارية وجدوها، فغالبًا ما يكون المستثمرون غير راغبين في تحمل المخاطر المرتبطة بالتكنولوجيا والأفكار الجديدة؛ فالشركات الصغيرة، التي تركز بشكل متزايد على الواحات البحثية، تفتقر عمومًا إلى التمويل اللازم لتحمل وتشجيع التكنولوجيات الجديدة. ثالثًا، غالبًا ما يكون الباحثون الأكاديميون بعيدين عن فهم السوق، ومن ثم لا يعرفون الإمكانيات التجارية لاكتشافاتهم. ومن ثم سيكون التحدي الذي تواجهه الواحات هو توفير خدمات الدعم لتسهيل عملية التسويق. وبينما تحاول بعض الجامعات القيام بعمليات التسويق بشكل مباشر، فإن الأدلة الواقعية للخبرات السابقة تكشف عن أن التسويق (المتميز بنقل التكنولوجيا) قد يتطلب أن يناط إلى كيان منفصل عن الجامعة.
  2. ردم الفجوة الثقافية بين الأوساط الأكاديمية ومؤسسات الأعمال وتسهيل الشراكات الحقيقية. وبينما تبدي كل الواحات اهتمامًا أكبر لرعاية مثل هذه الشراكات، فإن الجهود المبذولة في هذا المجال بقيت فنًّا أكثر من كونها علمًا. ومن هنا يتوجب على الواحات العلمية العمل كوسيط يفهم كلتا الثقافتين، ويعزز بشكل ابتكاري الجهود التعاونية المتكاملة فيما بينهما.
  3. تحقيق التكامل مع الجامعة. يجب أن يواصل مديرو الواحات العلمية بدمج الواحة من جهة والمستأجرين فيها والمستثمرين في نسيج الجامعة. ويشمل ذلك السماح للباحثين والموظفين الفنيين من نزلاء الواحات بالاحتفاظ بمناصب ملحقة، ومنحهم إمكانية الوصول إلى نفس الامتيازات الممنوحة لأعضاء هيئة التدريس والطلاب، مثل مواقف السيارات وأنظمة النقل وصالات التمارين الرياضية والمكتبات وقواعد البيانات والأحداث الرياضية والثقافية.
  4. الحصول على تمويل للعمليات والمباني. حيث تمتلك معظم الواحات العلمية موارد قليلة للغاية في مراحلها الأولى، ولا تحقق إيرادات كافية لتكون ذاتية الدعم. وسوف ستزداد الحاجة إلى رأس المال كلما حاولت الواحات العلمية تنفيذ نماذج العمل المباشر. ومن المرجح أن تكون هناك حاجة إلى مشاركة أكبر من القطاع الخاص؛ ودعم من مصادر الجمهور الذي سيساعد على تأمين المساعدة التجارية المطلوبة للواحات الناجحة.
  5. ومن التحديات الماثلة أمام الواحات العلمية هو الاستجابة لزيادة المنافسة بسبب العولمة والطبيعة المتغيرة للبحث والتطوير في الشركات، وذلك بجذب رساميل الشركات الأجنبية وزيادة الاهتمام بالبحث والتطوير R&D في الشركات المحلية.

ثانيًا : الفرص

إن التحديات المشار إليها أعلاه تدل أيضًا إلى توفر فرص تطوير للواحات العلمية. حيث سيحتاج مديرو الواحات العلمية إلى تكريس مزيد من الاهتمام والوقت لاغتنام المجالات العشرة التالية أثناء تطوير نموذج الواحة البحثية في القرن الواحد والعشرين:

 

  • الشراكات مع الصناعة والجامعة. ستحتاج الواحات العلمية إلى توسيع العلاقات، وتعميق الشراكات مع الصناعة والمؤسسات التعليمية والطبية. ولتحقيق ذلك، يمكن للواحات أن تقدم الهيئات التدريسية المساعدة لنزلائها، أو تزيد من إمكانية وصولهم إلى المعدات والمختبرات المتخصصة الأساسية. قد تسعى الواحات أيضًا في تطوير اتفاقيات انتساب رسمية لمؤسسات التعليم العالي، التي تتبع لها والتي توضح خدمات ودعم النزلاء ووسائل الوصول إليها، وغير ذلك من القضايا المتعلقة بخدماتها.
  • تمويل تسويق الملكية الفكرية ودعمها. ستحتاج الواحات إلى تقديم التمويل والدعم للتسويق التكنولوجي، بما في ذلك تمويل إثبات الفكرة أو المفهوم. لقد استثمرت الجامعات وحسّنت تركيزها على نقل التكنولوجيا في العقد الماضي. ولكن، لم تكن هنالك جهود مبذولة شاملة لتسويق التكنولوجيا، بما في ذلك تقديم الدعم لتطوير النماذج الأولية، وإجراء تحليل التحسين الهندسي، ودعم بناء الشركات.
  • المحافظة على المواهب وجذبها. إن الوصول إلى القوى العاملة الماهرة هو عامل حاسم للنزلاء لتحديد موقعهم في الواحات البحثية. تقدم العديد من الواحات دورات تدريبية وتعاونية وبرامج أخرى لوضع الطلاب في الشركات. ومن الشائع أن تقدم الجامعات دورات تعليمية أو تدريبًا متقدمًا للقوى العاملة ضمن الواحة. مثلما عرضت الواحات البحثية في العقد الماضي خيارات مفتوحة – كمثل حاضنات الأعمال، ومُسرِّعات الأعمال، والنزلاء المتعددين والنزيل المفرد – والتي قد يحتاجون إلى أخذها بعين الاعتبار بهدف الوصول إلى الدراسات العليا، والشهادات، والدورات القصيرة في الواحة. وفي المستقبل، وبما أن وتيرة التكنولوجيا متسارعة على نحو يجعل من المهارات قديمة خلال فترات زمنية أقصر، يمكن للواحات البحثية أن تنشئ مرافق تدريبية متقدمة لقوة العمل الرسمية لتلبية احتياجات الشركات من المواهب التقنية. وقد تعالج الشراكات مع كليات المجتمع والمعاهد الفنية مسألة المواهب التقنية واحتياجات التعلم مدى الحياة لنزلاء الواحة وموظفيها. يمكن أن تصبح الواحات العلمية أيضًا مركزًا لبناء القيادات الإدارية الذين لديهم خبرة في إنشاء شركات التكنولوجيا وتطويرها. وقد ترغب الواحات في اعتبار الرؤساء التنفيذيين ذوي الخبرة بمثابة “رواد أعمال في الإقامة” أو رؤساء تنفيذيين مؤقتين قادرين على تقديم المشورة للشركات الناشئة والنامية. يمكن لمثل هؤلاء الأفراد أيضًا أن يكونوا بمثابة كشافي تكنولوجيا، يبحثون عن الملكية الفكرية مع إمكانية التطوير التجاري.
  • المخاطرة وتطوير مجالات جديدة للتوظيف. إنه من خلال اقتصاد المعرفة، فإن الشركات تأتي وتذهب بسرعة أكبر، وتتغير احتياجات العمل باستمرار، وسوف يصبح العمل المرن هو القاعدة على نحو مطرد. ومن هنا فقد تكون الواحات قادرة على تقديم نموذج إبداعي لفرص عمل مخصصة للقرن الحادي والعشرين تستشرفه من خلال برنامج مرحلي موسع ومتعدد الأطياف.
  • التعاون بين الشركات ومع الشركاء الآخرين. في الوقت الذي لم يؤكد مديرو الواحات هذه الرغبة كأولوية مرتفعة كما هو متوقع، فمن المرجح أن يرغب مستأجرو التكنولوجيا بمزيد من الفرص للتواصل فيما بينهم ومع مصادر المعرفة في المختبرات ومنظمات الأبحاث وغيرها. ومن ثم ستحتاج الواحات، بالشراكة مع الغرف التجارية وغيرها، إلى زيادة تركيزها على احتياجات ومتطلبات بناء شبكات العمل للنزلاء.
  • السلامة والأمن. قد يكون للواحات البحثية دور تلعبه في توفير بيئات آمنة لتطوير التكنولوجيا، سواء في التعليم أو الصناعة. وقد تكون الواحات في وضع قادر لاختبار المناهج وإثباتها وتجريبها لمعالجة البيئات الآمنة  لوضعها في نطاق الواقع ضمن الاقتصاد العالمي.
  • الدعم المالي المستمر. لكي تكون الواحات العلمية من القوى الدافعة للتنمية الاقتصادية، يجب أن تستمر في استثمار الموارد النادرة في سماتها النوعية. ونتيجة لذلك، ستظل معظم الواحات ذات أرباح محدودة ومحتجزة. فالواحات تحتاج إلى مصادر تمويل متنوعة، ويجب اعتبار الاستثمارات في الواحات البحثية بمثابة استثمارات في البنية التحتية للتنمية الاقتصادية في المنطقة أو الدولة. وبالمثل، فإنه لا يُتوقع من الواحات البحثية أن تظهر نفس الأرباح التي تحققها شركات الاستثمار الخاصة.
  • تنشيط المجتمع الحضري. في الآونة الأخيرة، بدأ عدد من الجامعات الواقعة في المناطق الحضرية في تطبيق مفهوم الواحة العلمية، ليس فقط لتوفير مساحة البحث والتطوير اللازمة للأكاديميين والمتعاونين مع الصناعة، ولكن أيضا لتحفيز إعادة تطوير الأحياء. ويبدو أن هذه الزيادة في الواحات البحثية الحضرية تنبع، جزئيًّا، من تطوير واحات العلوم البيولوجية بواسطة المراكز الطبية. ولأن هذه الواحات الحضرية هي ظاهرة جديدة إلى حد ما ولا تزال في المراحل الأولى من تطورها، فإن نجاحها في إعادة تنشيط الأحياء المتعثرة ظاهر للعيان. قد يكون لمجمعات الأبحاث دور تلعبه في المدن التي تسعى إلى تنمية قاعدة صناعة التكنولوجيا فيها.
  • الأداء والمساءلة. تتطلب المساءلة في القطاعين العام والخاص أن تستمر الواحات العلمية في رصد تأثيراتها ونتائجها على كلا القطاعين. ومن المهم للواحات أن تستمر في تطوير وصقل مجموعة من المقاييس المناسبة واستكشاف آليات مختلفة لقياس آثارها ونجاحاتها.
  • خدمات النزيل ذات القيمة المضافة. لقد أدت الواحات في السنوات الأخيرة إلى زيادة كبيرة في خدمات النزلاء، خاصة لشركات التكنولوجيا الصغيرة المتنامية. ولكن من المحتمل أن تتغير طبيعة ومحفظة الخدمات المرغوبة في المستقبل. سواء من خلال معسكرات التدريب أو مسابقات تطوير المنتجات أو غيرها من الوسائل، إذ يمكن للواحات البحثية – لأنها خارج الحرم الجامعي – أن تقوم بتطبيقات تكمل العمل البحثي للمركز الطبي أو المختبر أو معهد التعليم العالي. ومن الوارد أن يكون العمل مع مزودي خدمات القطاع الخاص وبرامج حاضنات الأعمال ومسرعات الأعمال ومكاتب نقل التكنولوجيا والواحات بمثابة سرير اختبار للأفكار والمقاربات الجديدة في بناء الشركات التي تعتمد على التكنولوجيا ومنتجاتها وعملياتها. توفر الواحات البيئة الملائمة لهذه الأنشطة، والتي من الممكن أن يقوم بتنفيذها وتشغيلها مؤسسات أخرى بدلًا من إدارة الواحة.

 

هذا المقال هو رأي شخصي للكاتب. فما ذكر فيه قد يناسب الزمان والمكان الذي قد كتب حينه،  وقد لا يتناسب مع الحاضر اليوم أو المستقبل، أو ربما عبر عن نفس الحال والمقال، كما هي الحال في دورة الدهور والأزمان وتجدد الأفراح والأحزان. وكما قيل فالتاريخ يعيد نفسه.

أ. د. أحمد الشميمري، أستاذ التسويق وريادة الأعمال- جامعة الملك سعود،الرياض a[email protected]  [email protected]