العولمة: فرصة أم تهديد؟

العولمة: فرصة أم تهديد؟

تاريخ النشر: 23 مايو، 2021

مع الحديث المتكرر عن العولمة في وسائل الإعلام المختلفة انقسم المتحاورون والمحللون في عالمنا العربي إلى اتجاهين على طرفي نقيض فأما الفئة الأولى فترى أن العولمة شر محض وخطر داهم ينبغي مجابهته والتصدي له و رفضه و وضع العراقيل والمعوقات لقبوله و انتشاره، و يؤيد طرحهم هذا منبع العولمة و أساس مصدرها. فمفهوم العولمة Globalization إنما هو تأصيل لنموذج القدوة الواحدة المتمثلة في التجربة الأمريكية التي استطاعت أن تجمع الأعراق والثقافات المختلفة في كيان وطني واحد تذوب كل أهدافه وغاياته لتحقيق العدل و المساواة والحرية للجميع. و من منطلق الشعور بالسيادة و العلو أصبحت الكينونة مجالا متاحا لسيادة هذه المفاهيم سلماً بعد أن عجزت محاولات الحروب الساخنة و الباردة لتعميمها على شعوب العالم قسرا. كما ستسعى العولمة لنشر الثقافة الواحدة واللغة الواحدة والعملة الواحدة والقيم الواحدة التي عبر عنها رئيس الولايات المتحدة الحالي بالقول “إن أمريكا تؤمن بأن قيمها صالحة لكل الجنس البشري، وإننا نستشعر أن علينا إلتزاماً مقدساً لتحويل العالم إلى صورتنا”.

والاقتصاديون يعلمون أثر ثقل الولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي فالأسهم الأمريكية مثلا تحتل أكثر من نصف الرسملة العالمية و تمثل أوروبا كلها أقل من الثلث و تقتسم باقي أسواق العالم ما لايزيد عن 6% فقط. كما أن الولايات المتحدة وحدها تسيطر على 65% من المادة الإعلامية العالمية. وتشير الإحصاءات إلى أن حجم مبيعات ثلاث شركات متعددة الجنسيات (إكسون، شل، موبيل) في عام 1980 فاق حجم الناتج المحلي الإجمالي لكل دول العالم الثالث ما عدا سبع دول، بينما ترزح تحت وطأة الديون دول العالم الثالث ومنها الدول العربية التي تزيد ديونها 50 ألف دولار في الدقيقة الواحدة. فلا غرو  والحالة هذه أن يخشى المناهضون اطروحات العولمة و نظامها.

أما المؤيدون فيرون في التشابه العالمي، و التوحد في الهياكل الاقتصادية، و سهولة الاتصالات، و ارتباط الاستثمارات بعضها ببعض، إيجابيات كبيرة لا حصر لها منها دعم التخصص في الإنتاج فتلك الدول التي تمتلك ميزة نسبية في سلعة أو خدمة ما  تستطيع بعد فتح الأسواق و إزالة العراقيل أن تغزو أسواق الشرق و الغرب. كما يستبشر المؤيدون للعولمة بقدومها أملا في فتح الأسواق للمستثمر الأجنبي في الدول النامية مما سيزيد من المدخرات و يحد من البطالة و يساهم في نقل التقنية الصناعية ويعزز تنمية وتدريب المهارات و الكفاءات و ينتج الأفكار الإدارية المميزة. 

 والحق أن العولمة تيار قادم لا محالة و نموذج مسيطر سيلقى بظلاله على باقي الأنظمة في العالم. وأن رؤيتنا لها كفرصة أو تهديد لن يحجب تأثيرها علينا نحن المنتمون إلى  منظومة تلتصق جنبا إلى جنب في حلقة النظام الكوني الكبير. لذا فإن نظرتنا لها كتحدٍ أكثر واقعية من الاستغراق في الجدل فيما إذا كانت فرصة أو تهديد. وهذه النظرة تقتضي حينذاك إنشاء وحدات عمل ولجان وطنية متخصصة كتلك التي تعنى بالسياحة والسعودة وذلك لتوعية وتأهيل المؤسسات الوطنية لمواجهة الانفتاح الاقتصادي المرتقب، ولعل مجلس الغرف التجارية الصناعية أو بعض الغرف التجارية الرائدة في طرح البرامج الوطنية هي الأولى بهذه المبادرات الملحة، وهي الأكثر ارتباطاً ومعايشة لتجاهل المؤسسات المحلية بالتحدي القادم. حينها ستكون تلك الإجراءات الواقعية دافعاً لطرح الأفكار الإبداعية وتبني الأبحاث التطبيقية والبرامج العملية الكفيلة بمواجهة بل واستغلال هذا التحدي.

             

هذا المقال هو رأي شخصي للكاتب. فما ذكر فيه قد يناسب الزمان والمكان الذي قد كتب حينه،  وقد لا يتناسب مع الحاضر اليوم أو المستقبل، أو ربما عبر عن نفس الحال  والمقال، كما حال في دورة الزمان وتتجدد الأحداث الأحزان.ويعيد التاريخ نفسه.

أ. د. أحمد الشميمري، أستاذ التسويق وريادة الأعمال- جامعة الملك سعود،الرياض [email protected]